النويري

72

نهاية الأرب في فنون الأدب

إلى أحد سواي ، وإن لم آل طلبك وقتالك بنفسي ، ولو خضت البحر لخضته ، ولو « 1 » اقتحمت النار لاقتحمتها ، حتى أقتلك أو أموت قبل ذلك ، وأوصاه ألا يقول له هذا القول إلا بعد الإياس منه ، فسار أبو حميد وقدم على أبى مسلم بحلوان ، فدفع إليه الكتب وقال : إن الناس يبلغونك عن أمير المؤمنين ما لم يقله ، وخلاف ما عليه رأيه فيك - حسدا وبغيا ، يريدون إزالة النعمة وتغييرها ، فلا تفسد ما كان منك ، وقال له : يا أبا مسلم إنك لم تزل أمين آل محمد ، يعرفك بذلك الناس وما ذخره اللَّه لك في ذلك من الأجر عنده أعظم مما أنت فيه من دنياك ، فلا تحبط أجرك ولا يستهوينّك الشيطان ، فقال له : متى كنت تكلمني بهذا الكلام ! ! فقال أبو حميد : إنك دعوتنا إلى هذا الأمر وإلى طاعة أهل بيت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم في بنى العباس ، وأمرتنا بقتال من خالف ، فدعوتنا من أرضين متفرقة وأسباب مختلفة فجمعنا اللَّه على طاعتهم ، وألف بين قلوبنا حتى أتيناهم في بلادهم ببصائر نافذة ، وطاعة خالصة ، أفتريد حين بلغنا غاية منانا ومنتهى أملنا أن يفسد أمرنا وتفرّق كلمتنا ؟ وقد قلت لنا : من خالفكم فاقتلوه ، وإن خالفتكم فاقتلونى ، فأقبل أبو مسلم على أبى نصر مالك بن الهيثم ، وقال : أما تسمع كلامه لي ! ! ما هذا بكلامه ، فقال مالك : لا تسمع كلامه ولا يهولنّك هذا منه ، فلعمري ما هذا كلامه ، ولما بعد هذا أشد منه ، فامض لأمرك ولا ترجع ، فو اللَّه لئن أتيته ليقتلنّك ، ولقد وقع في نفسه منك مالا يأمنك معه أبدا ، فأمرهم بالقيام فنهضوا . وأرسل أبو مسلم الكتب إلى نيزك فقال : لا أرى أن تأتيه ، وأرى أن تأتى الري فتقيم بها ، فتصيّر ما بين خراسان والري لك ، وهم جندك لا يخالفونك ، فإن استقام لك استقمت له ، وإن أبى كنت في جندك ، وكانت خراسان من ورائك ، وأنت ورأيك .

--> « 1 » في الكامل لابن الأثير ج 4 ص 352 : أو وهو تحريف ويؤيد المخطوطات الطبري ج 6 ص 132 .